محمد حسين علي الصغير

222

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

مقتضب ، استوى كل ذلك على الوجه المراد ، ولوجدت تحقيق القوم فيه دائرا حول تخير ألفاظه ، أو دقة استعارته أو جودة كفايته ، ولم يتعرض أحد لموقعه الأعرابي وتأثيره هذا الوقع وحده - في تخير هذا الإيجاز . لقد أطال كل من السكاكي والقزويني ومن قبلهما الزمخشري في بيان وجه بلاغة قوله تعالى : رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً « 1 » . فقد عدّه السكاكي من القسم الثاني من الإيجاز ذاهبا إلى أنه وإن اشتمل على بسط فإن انقراض الشباب وإلمام الشيب جديران بأبسط منه ، ثم ذكر أن فيه لطائف يتوقف بيانها عن النظر في أصل المعنى ومرتبته الأولى « 2 » . وأفاض القزويني بإيراد بلاغة الآية في خمسة عشر ملحظا بلاغيا دقيقا تحدث فيها بإسهاب عن الجمال التركيبي والمعنوي واللفظي للآية بما لا مزيد عليه ، ثم عاد إلى طريقته فقال : « واعلم أن الذي فتق أكمام هذه الجهات من أزاهير القبول في القلوب : هو أن مقدمة هاتين الجملتين وهي « رب » اختصرت ذلك الاختصار ، بأن حذفت كلمة النداء ، وهي « يا » وحذفت كلمة المضاف إليه ، وهي ياء المتكلم ، واقتصر من مجموع الكلمات على كلمة واحدة فحسب ، وهي المنادى ، والمقدمة للكلام - كما لا يخفى على من له قدم صدق في نهج البلاغة - نازلة منزلة الأساس للبناء ، فكما أن البناء الحاذق ، لا يرمي الأساس إلا بقدر ما يقدر من البناء عليه ، كذا البليغ يصنع بمبدإ كلامه ، فمتى رأيته قد اختصر المبدأ ، فقد آذنك باختصار ما يورد » « 3 » . وكان السكاكي قد ارجع جميع ما انفتحت به قريحته إلى موضع الحذف لحرف النداء وياء المتكلم ، وهو خلاف ما أبانه حديثه من سمات بلاغية وخصائص فنية اشتمل عليها النص القرآني وأضاف إليه القزويني تحقيقا في اختيار كلمة « العظم » وكلمة « الشيب » وأبان موقعهما البلاغي ، وأحال على الزمخشري بيان محاسن الاختيار فقال :

--> ( 1 ) مريم : 4 . ( 2 ) ظ : الإيضاح : 294 وما بعدها . ( 3 ) المصدر نفسه : 296 .